مقالات

البرنامج الحكومي في الدولة الحضارية الحديثة

محمد عبد الجبار الشبوط

لا يستطيع اي رئيس وزراء عراقي مكلف تقديم برنامج حكومي صحيح، فيضطر الى الاكتفاء ببرنامج العموميات الخالي من الارقام والمواقيت الزمنية.
ذلك ان ايا من رؤساء الوزارات الذين تولوا الحكم بعد الانتخابات (نوري المالكي في المرة الاولى، حيدر العبادي، والان عادل عبد المهدي) لم يكونوا يعملون ضمن فريق من اجل تشكيل الحكومة قبل وقت كافٍ.
ثمة خطأ كبير في الحياة السياسية العراقية يؤدي في كل دورة انتخابية الى نفس النتيجة.
الكتل السياسية التي خاضت المنافسة الانتخابية لم تحدد رئيس وزرائها المقبل اثناء الانتخابات.
وهذه الكتل نفسها لم تضع برامج حكومية فعلية اثناء الحملة الانتخابية فاكتفت بالعموميات والانشاء.
فلما حانت ساعة الحقيقة لم يكن لديها متسع من الوقت لوضع برنامج حكومي حقيقي. وانشغلت بالتوافقات على اختيار شخص رئيس الوزراء.
ماذا نقصد بالبرنامج الحكومي الحقيقي؟
البرنامج الحكومي يتضمن التالي:
اولا، التحديد الرقمي للاهداف بعد دراسة ميدانية.
ثانيا، الجدول الزمني لتحقيق الاهداف المعلنة.
ثالثا، كلفة تحقيق هذه الاهداف ومصدر التمويل.
كيف يتم ترجمة ذلك عمليا؟
لناخذ مثالا واحدا هو وزارة التربية.
الوزارة مسؤولة عن تشييد المدارس.
تقوم القائمة الانتخابية او مرشحها لمنصب رئيس الوزراء بدراسة الحاجة الفعلية للمباني المدرسية في البلد.
يتوصل الى ان العراق يحتاج الى (١٠٠٠) بناية مدرسية للمرحلة الابتدائية مثلا لاستيعاب عدد معين من الاطفال سوف يتوجهون الى المدارس في السنوات الاربع المقبلة التي تمثل فترة ولاية الحكومة الجديدة لغاية عام ٢٠٢٢.
كلفة بناء هذه المدارس تبلغ رقما معينا.ولابد من توفيرها من اموال الدولة.
تدرس الكتلة العدد الذي يمكن تشييده من المباني المدرسية خلال السنوات الاربع، وكلفة هذه المباني، والقدرة الاستيعابية، والكلفة الاجمالية.
تكون النتيجة ان الكتلة الفلانية تضع في برنامجها ان وزارة تربيتها سوف تشيد (٨٠٠) مدرسة ابتدائية تستوعب (كذا) طفل، خلال اربع سنوات، بكلفة (كذا) دينار، يتم توفيرها من المال العام.
يمكن ان تقدم كتلة اخرى ارقاما اخرى مختلفة.
وبالتالي سوف يعرف الناخب خطة كل كتلة في مجال انشاء المباني المدرسية للمرحلة الابتدائية.
الامر ذاته فيما يتعلق بوزارة الصحة فيما يتعلق بعدد المستشفيات مثلا التي تنوي الكتلة الانتخابية ورئيس وزرائها المرشح انشاءها في البلد خلال السنوات الاربع.
ونفس الامر يقال بالنسبة للتقليل من البطالة وتوفير فرص العمل.
وهكذا بالنسبة لوزارة الصناعة وغيرها من الوزارات.
لكن ايا من الكتل الانتخابية لم تفعل ذلك لانها ببساطة لا تعرف كيف تكتب برنامجا انتخابيا يكون نواةً لبرنامج حكومي.
ولم يكن بمقدور المالكي (في الدورة الاولى) ولا العبادي ولا عادل عبد المهدي كتابة برنامج حكومي بهذه الطريقة لانهم لم يكونوا يعرفون انهم سوف يتولون المنصب قبل فترة طويلة تكفي لكتابة برنامج حكومي عملي. ففي كل مرة تتم تسمية الشخص في الدقائق الاخيرة.
لذا يتوجب على الاحزاب السياسية التي تنوي خوض انتخابات عام ٢٠٢٢ ان تبدا منذ الان باعداد برامج انتخابية صحيحة، قائمة على الارقام في كل شيء.
كما يتعين على كل قائمة انتخابية ان تعلن منذ البداية مرشحها لمنصب رئيس الوزراء، على ان يتفرغ هذا الشخص لاعداد برنامجه الحكومي المفصل.
اذا تم ذلك سوف يكون بامكان الناخبين ان يصوتوا للقائمة التي قدمت برنامجا انتخابيا علميا رقميا منطقيا مقنعا معقولا قابلا للتنفيذ محققا لطموحات الناس من حيث عدد المدارس، وعدد المستشفيات، وعدد فرص العمل، مثلا، التي تعد بها للسنوات الاربع التي تلي الانتخابات. وبذا نغادر العموميات والاماني!

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
إغلاق