سياسةعلوم و تكنولوجيا

رئيس الوزراء للحكيم: الأمن المجتمعي الهش قد يفلت من أيدي الجميع

الحياة العراقية

وجّه رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، الجمعة، رسالة الى زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم بخصوص التظاهرات التي انطلقت اليوم بدعوة من التيار، فيما حذّر من أن الامن المجتمعي الهش قد يفلت من ايدي الجميع.

وقال عبد المهدي في الرسالة التي اطلعت عليها ،الحياة العراقية ،الإنه “مثل هذه الاجواء يجب الحذر من التصعيد وتجنب الحافات التي قد يفلت فيها الامن المجتمعي الهش من ايدي الجميع”.

وأضاف أنه “من السهل رؤية النواقص المتراكمة.. كما من السهل التنصل من المسؤوليات التاريخية والذاتية ورميها على الاخرين”.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة السيد عمار الحكيم حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في اجتماع القيادات يوم (١٥ تموز) جرى نقاش حول المظاهرات المزمع لتيار الحكمة القيام بها وكلام عن المعارضة والموالاة. لم اتدخل في النقاش لان المجال ضيق والممارسة تتطلب نقاش هادىء ومفتوح، لهذا فضلت الكتابة لنعمق البحث ليس بيننا نحن الاثنين فقط بل ايضاً لدائرة اوسع بما يخدم مصلحة تيار الحكمة وغيره من التيارات الوطنية، وبما ينضج الرؤى والممارسات السياسية والفكرية التي تقوم عليها تجربتنا السياسية.

1- الموالاة والمعارضة مفهوم غير دقيق وسيقود استخدامه في العراق لاخطاء منهجية خطيرة، ولعله نقل الينا من التجربة اللبنانية وتجربة ٨ اذار و١٤ اذار استناداً لبعض المتشابهات بين اوضاع البلدين. الامور المتشابهة يجب ان لا تنسينا الفروقات الكبيرة. فمفهوم الموالاة والمعارضة قام اساساً على فكرة التعطيل (الثلث المعطل وقيام حكومة تصريف اعمال لسنوات عدة) وليس على اساس الاغلبية والاقلية السياسيتين، وخشيتنا ان ننقل الى التجربة العراقية فقط مفهوم التعطيل وليس اولاً واساساً مفهوم التاسيس والتطوير. فالموالاة والمعارضة مفهوم خاص بالتجربة الديمقراطية/النموذج اللبناني، بينما الاقلية المعارضة والاغلبية الحاكمة مفهوم ينتمي لنماذج ديمقراطية عالمية غربية وشرقية.

2- ان عدم الاخذ بكل المباني قد يقود لانزلاقات خطيرة. فالعراق سعى لتأسيس نظام دستوري وديمقراطي، وهذا النظام ما زال هشاً بكل تأكيد ولم يستقر تماماً بشكل نهائي، وما زالت تتداخل فيه الكثير من المحاصصة والطائفية ونزعات الشخصنة والسيطرة التي تحل اما بلي الاذرع او بالتوافق. فاذا كرسنا السير في نظام يقوم على الموالاة والمعارضة فسنكرس واقعاً نعلن علناً رفضنا له، ناهيك عن تعارضه مع الدستور وسياقات النظام الديمقراطي الذي يقوم على نظام الاغلبية والاقلية ويحجز الطريق امامه. وبهذا نجهض التجربة بدل تطويرها، وذلك بغض النظر عن النوايا. فالنظم تبنى بالمناهج والبناءات الصحيحة قبل ان تبنى بالنوايا والخواطر والانطباعات.

3- في نظام الموالاة والمعارضة في لبنان تعطلت الحكومة بسبب الثلث المعطل.. وفي حالتنا حيث لا وجود لثلث معطل على صعيد تشكيل الحكومة، فان التعطيل لن يتحقق سوى باستخدام قوى الضغط الاعلامية الصحيحة او الخاطئة (حملات اعلامية، تنسيقيات، تسقيطات، مواقع وجيوش الكترونية، الخ)، او وسائل التعبير الشعبية الصحيحة (اعتصامات، تظاهرات نظامية..الخ) والخاطئة (تمردات، عصيان، ثورات، انقلابات، الخ) وان بعض قوى الضغط هذه قد تشترك مع ممارسات ديمقراطية لكنها ايضاً قد تنزلق لممارسات خطيرة مناقضة تماماً للديمقراطية.

4- نرى (واعتقد جازماً ان هذا ما ترونه ايضاً في نهاية المطاف) ان التاسيس يجب ان يقوم على اساس الاغلبية والاقلية الدستورية والسياسية بكل ما يستلزمه ذلك من شروط وبناءات. وهذا واقع لم ننهي تأسيسه في العراق حقيقة وهو مسؤولية لا تتحملها الحكومة الحالية اساساً، بل تتحملها الحكومات السابقة التي كلنا شركاء فيها والقوى السياسية كافة ونحن جزء منها. ومع عدم انجاز ذلك –بل قد يكون بسبب ذلك- يحصل هذا الانزلاق السريع لتوصيف الممارسة بالموالاة والمعارضة. عندها سنضع انفسنا كمعارضة افتراضية تقوم على الرفض دون ان نبني لذلك واقعاً برلمانياً وشعبياً (اذا كنا في تجربة ديمقراطية) او واقعاً ثورياً (اذا كنا في تجربة ثورية). فنحن مرة جزءاً من النظام لا نريد ان نتحمل مسؤولياته بل نطالب فقط بحقوقه، ومرة جزءاً من خارجه لا نريد ان تخلط اوراقنا بكل ما هو خارجه من وقائع واحداث وضغوطات واعداء وظروف تحيط ببلادنا وتجربتنا. والخشية ان الخلط في المفاهيم سيقود الى خلط خطير في الممارسات، خصوصاً عندما يزداد ضغط التدافعات وتتسع دوائر الحركة ويصبح لها من يتصدى ويتكلم وينطق باسمها ويستسهل طرح المفاهيم ويدعو لممارسات قد تقود لمجاهيل ترتد علينا جميعاً. اذ لا يستطيع شخص او جهة ان يسيطر على شارع فيه الكثير من الانفلات، حديث التجربة بالحريات والممارسات الديمقراطية، ومحاط بمنطقة غير مستقرة، ينتشر فيها حمل السلاح، في بلد قضى سنين اختلطت فيا المظاهرات السلمية بالسلاح وحرق المقرات وسقوط مدن، ففي مثل هذه الاجواء يجب الحذر من التصعيد وتجنب الحافات التي قد يفلت فيها الامن المجتمعي الهش من ايدي الجميع.

5- اما استخدام تعبير المعارضة فنحن امام خيارين: اما ان تكون معارضة للنظام والدولة او معارضة للحكومة وسياساتها. لا اعتقد ان مقصدكم هو التوجه الاول.. اذ ترددون دائماً انكم مع الدولة لكنكم تعارضون الحكومة. وبالطبع ان معارضة الحكومة امر سليم وضرورة ولكن بشرطها وشروطها. ومعارضة الحكومة –حسب الفرضية الثانية- تعني ان الحكومة هي حكومة اغلبية وانكم تريدون كاقلية احتلال مواقع المعارضة. وجميع هذا مشروع كما ورد اعلاه. لكن في هذا كله تبسيط ولا يمكن القفز عليه بسهولة. فالحكومة لم تاتِ الا لفشل القوى السياسية الفائزة في الانتخابات في الوصول الى اغلبية سياسية تنقذ البلاد من ورطتها، فاضطرت للتوافق مرة اخرى وفق صيغة لا تخلو من تعقيدات لا يمكن رميها الان على الحكومة بمفردها. انها حكومة تسوية يراد منها حل الاشكالات الامنية والاقتصادية والخدمية والاقليمية والدولية خلال اشهر من تشكيلها. فمن السهل رؤية النواقص المتراكمة.. كما من السهل التنصل من المسؤوليات التاريخية والذاتية ورميها على الاخرين، وتحميل الحكومة كل شيء والظهور امام الراي العام كمجرد ناقدين ومستهجنين ومعارضين ومتظاهرين وعاملين للصالح العام. لاشك انكم تتفقون معنا ان الدعوة للتظاهر او للاعتراض امر سهل لكن البناء وشق الطريق وسط كل هذه التراكمات والصعوبات والظروف الداخلية والخارجية امر في غاية الصعوبة، فنرجو وضع الامور في نصاباتها. فلابد للاعتراض والتظاهر ان تكون له غايات. فاين سيقف؟ هل سيقف باسقاط الحكومة وكيف سيقوم بذلك؟ هل يقوم به برلمانياً ام بالعصيان؟ وما العمل لو قدمت الحكومة استقالتها؟ وهل يستهدف تعطيل المصالح ليرغم الحكومة على اتخاذ مواقف محددة؟ ام سيكون معارضاً في السلبيات متنصلاً من اعبائها، وموالياً في الايجابيات مطالباً بحصة في منجزاتها؟ ام ستتحول التظاهرات الى مجرد نمط حياة ومجرد اسلوب للتحشيد والتعبئة للحالة الجزئية والخاصة دون الاخذ بالاعتبار الحالة الكلية والعامة؟ باختصار التظاهر ليس هدفاً بذاته بل وسيلة لاهداف واضحة ومحددة ومقبولة ومدروسة. نقول هذا كله لان الضجة التي اثيرت حول الموضوع وبعض المفردات المستخدمة من بعض الناشطين تفتح المجال لمثل هذه الاسئلة والاحتمالات. املنا كبير ان يبقى التظاهر وسيلة للتعبير عن الراي، ولا يقود للتصعيد وتوتر الاوضاع وله موضوعات محددة وهدفه التقويم ودفع العملية السياسية والاقتصادية والامنية للامام، ولا يعطل المصالح الخاصة والعامة ولا يربك عمل الحكومة والدولة، فهذا امر مرحب به، وهو بلاشك ما ستوصون به.

6- الديمقراطية -رغم كل نواقصها- هي الوسيلة الافضل تحت ايدينا اليوم لحكم البلاد عبر ممثلين حقيقيين للشعب. هذه الديمقراطية اساسها الدستور الذي تم استفتاء الشعب عليه، والانتخابات المباشرة النزيهة حيث لكل مواطن صوت واحد وحيث تحترم توازنات البلاد، وحيث تعمل المؤسسات الجادة والحقيقية والشفافة، والنظم الانتخابية السليمة التي لا تحتكر او تكرس سلطة شخص او طائفة او حزب، والحياة الحزبية والسياسية السليمة حيث تمارس المفاهيم الدستورية والديمقراطية داخلها كما يراد ممارستها في النظام العام. اذ كما يقولون لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين ولا دستور بدون دستوريين. عند توفير او توفر هذه الشروط التي يجب على الجميع العمل عليها واستكمال نواقصها يمكن قيام اغلبية دستورية سياسية، واقلية دستورية سياسية برلمانية وحكومية تتنافس عبر صناديق الاقتراع اساساً لتشكيل حكومات تقوم ليس على اسس الفردنة والمحاصصة والطائفية بل على اساس المناهج والبرامج والتوازنات الوطنية العامة، عندها تأخذ التظاهرات والمعارضات معانيها الحقيقية وتتحول الى ممارسات طبيعية واعتيادية ووسائل مشروعة ومطلوبة للتعبير عن الراي ولكسب الجمهور لقضايا مشروعة، وليس لاي امر اخر.

وفقكم الله وسدد خطاكم، وتقبلوا خالص تقديري واحترامي، واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عادل عبد المهدي / بغداد ١٦/٧/٢٠١٩”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى